الرئيسية / المقالات / ” زوجي صديقي ”

” زوجي صديقي ”

الصداقة بمفهومها العام تعني الحوار مع شخص ما بأريحية تامة ودون تصنع ومشاورته والأخذ بنصائحه واللجوء إليه في المصاعب ،ومشاركته الأفراح والسعادة عند اللقاء به ،أو باختصار محادثته بدون قيود أو خوف .

أما الصداقة بين الزوجين فهي تعني كل ما سبق إضافة إلى الشفافية التامة في كل ما يتعلق بالحياة الزوجية بين الاثنين والصراحة والوضوح التامين ،والمكاشفة وعدم الشك بنوايا الطرف الآخر ، واللجوء إليه في كل الأمور الصعبة لمشاورته والعمل بنصائحه بما يحقق مصلحة الطرفين الشخصية والعامة أيضا بالنسبة للأسرة كلها .

في الواقع العربي يبدو الحديث عن الصداقة بين الزوجين أشبه بالحديث عن المدينة الفاضلة تلك المدينة التي يحكمها العلماء وتنفذ فيها العدالة والشفافية والأخلاق الكريمة وتسود فيها القيم الجمالية على الشرور ،وهي مدينة غير موجودة على أرض الواقع رغم كل الكلام الجميل عنها .

فنحن كعرب لا نسمح بأي حال للزوجة مثلا أن يكون لها أسرارها الخاصة التي تخفيها عن زوجها ، كما لا نسمح لها بالحديث عن إعجاب أحد الأشخاص مثلا بها أمام زوجها ، وأخذ رأيه في التصرف الذي يجب عليها اتخاذه باعتباره صديقا وليس زوجا ، فالأزواج العرب لا يقبلون بشيء كهذا وبهذا تضيع أولى أعمدة الصداقة الحقيقية .

كما ليس هناك مجال للزوجة للحديث عن إعجابها مثلا بقدرات أو مهارات أو حتى ذكاء شخص آخر غير زوجها لا من العائلة ولا خارجها فالطبيعة البشرية تجعل الغيرة تتسيد المشهد عند هذه النقطة تحديدا ويغيب معها بالطبع العقل والتروي ليحل مكانها غالبا العنف والتعنيف وأحيانا الضرب ،فالزوج لا يقبل أن يكون غيره في الإطار أمام أعين زوجته ، حتى أنه لا يقبل أن تبدي زوجته إعجابها أمامه حتى بأحد الدعاة إلى الله فضلا عن المطربين والراقصين ، ويعتبر ذلك انتقاصا من رجولته .

الرأي الأول والأخير في العرف العربي يجب أن يكون للزوج لا للزوجة لذا فإن أي حديث بين الاثنين غالبا ينتهي إلى فرض الزوج رأيه والتغاضي عما قالته الزوجة عاجلا أو آجلا حتى لو كان رأيها صحيحا ، لأن الرجل أيضا يعتبر ذلك يحد من هيمنته الذكورية على أوضاع بيته ، وإيمانا منه بمعتقدات متوارثة من أن التفريط في شيء للمرأة التي هي زوجته سيجعلها تتجرأ على طلب المزيد فتكون النتيجة أن تنفلت الأمور من زمامه ويصبح بلا قيمة في بيته ، ولاحقا في نظر زوجته وأولاده وعائلته .

الزوجة هي الأخرى يمكنها أن تتقبل صراحة زوجها وحديثه معها كصديقة لا كزوجة في حدود ضيقة جدا مثل الحديث عن علاقاته في العمل وأصدقائه وغيرها لكنها لن تتعامل معه بالشفافية والصداقة إذا جاء مثلا ذكر امرأة أخرى رآها في العمل أو اتصل بها ، وحتى إن حاولت إخفاء مشاعرها ، فإنها لن تنجح في الاستمرار وستكون النتيجة واحدا من اثنين إما مقاطعة زوجها تماما أو أن تعاني مع نفسها في السر بعيدا عنه فتجد الأمراض طريقها إليها ويسوء حال الأسرة كلها .

كما أنها لن تقبل بان يلقي زوجها برأيها إلى سلة المهملات وستفرض عليه طالما تناقشا أن يأخذ برأيها ، وستظل تعاني من اعتقادها أن زوجها يسعى إلى تهميش دورها بكل السبل وأنه يخدعها باسم الصداقة الزائفة

الصداقة إذن بين الزوج والزوجة في العالم العربي هي نوع من التقليد الفاشل للغرب لأننا لا نمتلك أدوات التعامل المتاحة لهذا الغرب المنفتح على مصراعيه، كما أن اختلاف العادات والطبائع والمعتقدات والتصرفات كلها عوامل تجعل من الصداقة الزوجية لدينا نوعا من المشي على حبل مشدود تماما كما يحدث في السيرك فأي خطأ لو بسيط سيدفع الطرفان ثمنا فادحا له على حساب المشاعر والعواطف التي تجمع بينهما .

باختصار ولكي نحقق الصداقة الفعلية بين الزوجين فإنه ينبغي على الطرفين الزوج والزوجة تغيير ثقافتهم أولا والتعاطي مع ثقافة الصداقة بكل ما تنطوي عليه من مفاهيم وتصرفات والتسليم بها في التعامل نفسيا وجسديا وعدم وضع خطوط حمراء لأي منهما في الحديث أو البوح ، والثقة التامة في النفس ، والأهم ألا يترتب على الصراحة بينهما أي نتيجة سيئة في المستقبل بمعنى عدم استخدام ما يفضفض به الاثنان في لحظات الصداقة الصافية كسلاح في أي مشاجرة مستقبلية تنشأ بينهما كعامل انتقاص من أحدهما أو معايرته ، فضلا عن إنكار الذات وعدم تقدير النفس من أحدهما على حساب نفسية الأخر ومشاعره .. و إذا حدث ذلك ( وإن كنت أشك في حدوثه ) فيمكننا أن نقول إن لدينا صداقة زوجية صحيحة وسليمة ومتزنة .

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

اختيار القرار السليم

بقلم | محمد بن فوزي الغامدي حياتُنَا اليوْميَّة مَلِيئةٌ بِالمَواقِف الَّتِي تحْتاجُ إِلى اتِّخاذِ القرَارَات، …