الرئيسية / المقالات / المرض …. سكينة و إيثار و إيتيكيت

المرض …. سكينة و إيثار و إيتيكيت

( الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى ) حكمة قديمة نستمر في قولها على مر الأوقات و أعتقد أن من يعمل في المجال الطبي يدرك كيف تعمل الصحة لتتويج من ينعم بها فجملة آه يا بطني أو آه يا خشمي أو أي شيء لا توجع إلا من ينطقها !

لا علم لدي عن سبب تسمية سرير المرضى بالأبيض و قد يكون لإرتباط هذا اللون بالنقاء و الصفاء و التفاؤل سبباً في ذلك فمثلاً الكثير من المصريين يستخدم عبارة ( نهارنا أبيض ) عوضاً عن صباح الخير لتفاؤلهم أن ذلك اليوم سيكون جميلاً و سعيداً و إن كانوا لم يتركوا ( أي لون في حاله ) !

السكينة :
بفتح السين و كسر الكاف و تعني الطمأنينة و الوقار و الهدوء التام و هذا ما يحتاجه المريض أثناء بقاءه على ذلك السرير و المرض يعتبر فرصة سانحة لكل مريض لمراجعة حساباته كما أنه فرصه للتقرب إلى الله و إكثار الدعاء و طلب الشفاء من رب العالمين فهو الشافي و المعافي و ما الأطباء و كل من يعمل بالمستشفيات إلا أدوات يعينها الله على شفاء المرضى بإذنه تعالى !

الإيثار :
و يحدث من جانبين أولهما الطبيب الذي يؤثر مرضاه على نفسه و أهله ( كلما كبر الطبيب كلما زادت مسئولياته و إرتباطه بمهنته و زاد إيثاره فكم من إرتباطات إجتماعيه و أسريه و شئون شخصية أضطر الطبيب إلى التخلي عنها أو إلغائها في لحظاتها الأخيرة أو حتى تأجيلها من أجل تلبية نداء الواجب ) و ثانيهما من يرافق المريض أثناء وجوده في المستشفى لأنه سيكرس كل وقته للتخفيف عن من يرافق و ذلك بالحديث معه و مساعدته على قضاء حوائجه و التحدث بلسانه و الدعاء له و النوع الثاني من الإيثار يزيد من أواصر الترابط و المحبة بين أفراد الأسرة الواحدة أو الأصدقاء !

أدبيات الجراحة :
تقع على عاتق كل من أختار مهنة الجراحة مسئوليات جسام تتطلب الحكمة و قوة التحمل و الصبر و توقع اللا متوقع و الإستعداد لأي طاريء قد يحدث خارج نطاق المناوبات أو ساعات العمل العادية و هناك أدبيات يجب على كل جراح التحلي بها و يطلق عليها بعض الجراحين ( إيتيكيت ) الجراحة و لذا سأذكر نفسي و أخواني الجراحين بما يجول في خاطري حالياً من تلك الأدبيات و هي كثيرة و لكني سأحصرها في ما يتطلب من كل جراح أن يطبقها لجميع مرضاه الذين تم تنويمهم لإجراء العمليات الجراحية الإختيارية أو الطارئة !

قبل العملية :
يجب على الجراح الإستماع للتاريخ المرضي بالتفصيل و الإستماع بإنصات لقصة المريض والتي قد لا تكون متعلقة بالمرض إطلاقاً ( عندما يحكي المريض قصته فإن ذلك يعني قمة الثقة تجاه الطبيب ) و من ثم فحص المريض فحصاً شاملاً بعد ذلك لا بد من الجراح الجلوس مواجهاً للمريض و شرح كل ما يتعلق بالمرض و علاجه و طريقة إجراء العملية الجراحية و بدائلها و مضاعفاتها و فوائدها و الأخطار المترتبة على عدم إجراءها ( التحدث يكون للمريض و ليس لمرافقه أو أقاربه إلا إذا كان قاصراً ) و يستحسن الرسم على ورقة لسهولة الإستيعاب و بعد ذلك الرد على جميع تساؤلات المريض
و يجب أن يقوم جميع الفريق الطبي الجراحي المعالج بتعريف أنفسهم للمريض حتى يكون المريض على علم بكل شخص يدخل عنده في غرفته ولا يكون ( مثل الأطرش في الزفة ) !

يوم العملية :
يجب أن يتواجد الجراح بجانب المريض قبل بداية عملية التخدير العام و يتحدث مع المريض و يطمئنه بوجوده و يذكره ببعض الآيات و الأذكار و بعد تخدير المريض يقف الجراح على إختيار الوضعية المناسبة للمريض و أيضاً يكون الجراح على رأس العاملين لنقل المريض من سرير العمليات و متابعة لحظة إفاقته من البنج ومن ثم يرافقه أثناء نقله من غرفة العمليات العملية إلى غرفة الإفاقة أو العناية المركزة إن أستدعى الأمر ذلك ومن ثم يتوجه إلى أقارب المريض إذا كانوا بالجوار و يعلمهم بنهاية العملية و عن وضع قريبهم و قبل نهاية دوام ذلك اليوم الطويل يجب عليه المرور على المريض و التأكد أنه في وضعاً مريحاً و شرح ما حدث في العملية إذا كان المريض في كامل وعيه

بعد العملية :
يقوم بشرح ما حدث للمريض أثناء العملية بالتفصيل ٍو إعلامه بكل ما يستجد من فحوصات و التأكد بسلامة سير نقاهة المريض حتى خروجه من المستشفى سليماً معافى و قبل الخروج يقوم بشرح جميع التعليمات و طريقة إستخدام الأدوية و مواعيد العيادات الخارجية والإجابة عن جميع إستفسارات المريض !

كل ما سبق يمكن أن يقوم به أحد أفراد الطاقم الجراحي المعالج و لكن يفضل أن يكون الطبيب الإستشاري هو من يقوم بجميع ما تم ذكره لأنه هو الشخص المسئول عن المريض من الناحية الطبية القانونية و هو المسئول عنه أمام الله عز وجل !

خاطرة :
يختلف كل مريض عن من سواه في قدرة التحمل و التعبير عن الألم و لذا يجب على الطبيب إعلام المريض عن أي إجراء سيتم له و عدم أخذه على غره ( أثناء التغيير على الجرح أو إزالة القطب أو سحب أي من الأجهزة المستخدمة ) و يجب على الطبيب الإستعداد لردود الفعل الغير متوقعة فقد يفقد المريض وعيه ( Vasovagal attack ) من مجرد سحب الغيار الضاغط من الأنف بعد عمليات تقويم إعوجاج الأنف أو نزع الغيار من الجروح المفتوحة للمرة الأولى أو أي إجراء آخر يستدعي عمله و المريض في كامل وعيه !

نصيحة :
إلى كل خريج جديد من كلية الطب
ما تتعلمه من طباع جيدة و تعمل بها في سنة إمتيازك ستستمر معك حتى لو أصبحت بروفسوراً لا يشق له غبار و كذلك الطباع السيئة ( كاللامبالاة و التسيب و عدم تحمل المسئولية ) فإنها ستبقى ديدنك
فمن شب على شيء شاب عليه و ليتذكر قول رسول الله عليه أفضل الصلاة و التسليم ( أحب الخلق إلى الله أنفعهم للناس ) فليكن في علمك و عملك المنفعة للناس !

همسة :
لا يوجد في الطب ما يسمى ( شمم الجرح ) و لا يستدعي تدخل ( المره ) في منع ذلك الشمم !

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

شفافية ووضوح القيادة

بقلم : اللواء م / سعد الخاطر الغامدي عندما تتحدث القيادة بهذه الشفافية والوضوح لتضع …