الرئيسية / المقالات / الجحيشة …. و السكينة !

الجحيشة …. و السكينة !

تعود أهل الخليج عموماً و منطقة الأحساء خصوصاً على تصغير المفردات و الأسماء ( بيالة الشاي مثلاً تتحول إلى بييلة و الساعة تتحول إلى سويعة و الصندوق إلى صنيديق و غيرها كثيراً )
الجحش هو صغير الحمار و الجحيش هو تصغير له و عندما يؤنث التصغير تصبح الجحيشة و هي عبارة عن عصا غليظة جداً و ( موجعة ) و لا توجد عصا تسبب الأنين أكثر منها في ما مضى من الزمان و كانت موجودة في معظم المدارس و عندما يقول المدرس لعريف الفصل ( قم و رح للمراقب جب الجحيشة ) فذلك أشبه بالإنذار النهائي أن أحداً ما ستنطلق صيحاته و دموعه و ربما دمائه و ربما طلب المدرس إحضار ( الفلكة ) فذلك يعني تمديد الرجلين !

كان ضرب الطلاب في ذلك الوقت من قبل المعلمين شيئاً عادياً و كانت جملة ( لكم الجلد و لنا العظم ) تتردد كثيراً من قبل الآباء عند إدخال أبنائهم للمدارس و كان للمعلم و المراقب و الوكيل و المدير هيبة و ( شنة و رنة ) و مشاهدة أحد المعلمين قي السكة كان يعني الفرار السريع و أحلام و هواجيس فيما ينتظره في الغد عندما يوجه له السؤال ( إيش عندك تلعب في السكة أمس ) مما يكفي لوقوعه مغشياً عليه لعدم علمه بما يتبع هذا السؤال من فعل و إذا ما أكتفى المعلم ( بكف ) على وجه الطالب قد يوقع أحد أسنانه فإن الطالب قد يسجد شكراً لله أن الموضوع كان بس كف !

في الصف الأول الإبتدائي كان لي نصيب مع الجحيشة بسبب أنني كنت أنجز واجباتي المنزلية في وقت الفسحة و بسبب وشاية من الطالب الذي يجلس بجانبي ( هو من أبناء العمومة و جارنا أيضاً ) فكان لكفاي الإثنين نصيب وافر من الضرب مع محاضرة مفادها ( الواجب المنزلي يتم إنجازه في المنزل و ليس في المدرسة ) و مع أنها كانت ضربات مؤلمة و لكن ألمها أختفى تماماً بمجرد بدء حصة التربية الرياضية !

في الصف الثاني إبتدائي كان لي تجربة مع الفلكة و هذه المرة كان بأسلوب ( الموت مع الجماعة رحمة ) لأن أحد الطلاب كتب عبارة سيئة على السبورة أثناء الفسحة و عندما دخل المدرس سأل من كتب هذه الكلمة فلم يجب أحداً لأن الأكثرية ما كانوا يعرفون أصلاً و لا كانوا ( أحروا بها ) و سجل المعلم إعجابه الشديد بفصلنا وقال ( ما شاء الله أثبتوا لي اليوم أنكم رجال و ما وشيتوا بصديقكم و لكن هذا أيضاً إعتراف أنكم جميعاً مشتركون معه و الجميع راح ينفرش بالفلكة ) و أكلت لي ٤ لشطات على باطن القدمين بالعصا !

أنا طبعاً لا أشجع على أسلوب الضرب للطلاب و لكن ما يحدث في زمننا هذا أن المعلم فقد كل صلاحياته و أمتهنت كرامته بل و أزهقت روحه على يد الطلاب و أصبحت السكينة التي يطعن بها المعلم لا تكلف أكثر من بعض الدرجات و الإبعاد عن الدراسة لعدة أسابيع فقط و أضحت الأخبار المتواترة عن ضرب المعلمين و إهانتهم و تكسير سياراتهم بل و طعنهم في وسائل الإعلام بصفة شبه يوميه و أصبح المعلم يخشى بطش طلابه و ينشد ودهم و لم يعد يتجرأ على مجرد رفع صوته عليهم و لا أجد مضحكاً مبكياً أكثر من تغريدة أحد المعلمين في تويتر ( لما كنا طلاب ضربونا معلمينا و لما صرنا معلمين ضربونا طلابنا ) !

في المرحلة المتوسطة و في ذلك الزمن الجميل كنا كطلاب نتحصل على ( التغذية المدرسية ) و هو عبارة عن علبة كرتونية بها وجبات متكاملة و بما أننا كنا في مدرسة مستأجرة فكانت دراستنا مسائية و تلك الوجبة لا يمكن أكلها وقت الغداء فكنا نأخذها معنا إلى المنازل و في أحد الأيام قرر وكيل المدرسة اللف على الفصول و ضرب أي طالب لم يأكل وجبته و كانت البداية بفصلنا ( بقية الفصول تمكنوا من رمي وجباتهم خلف سور المدرسة عندما علموا بالخبر ) و أخذ الأستاذ عبدالله ( أطال الله في عمره ) يضربنا بالدور واحداً تلو الآخر و نساني و هم بالخروج من الفصل فما كان مني ( و بكل لقافة ) الأ أن أبين له نسيانه لي فقال لي ( تقديراً لأمانتك و إعترافك و شجاعتك فراح تنطق ضعف الطلاب ) و أخذت لي ١٢ ضربة بدلاً عن ٦ كما هم باقي الطلاب و أيضاً كف حار من أحد المعلمين لوماً لي ( على خيبتي الي ما عدتش على حد ) و كانت تلك الحادثة آخر عهد لي بالضرب في حياتي الدراسية !

( العصا لمن عصى و المشعاب ل اللعاب ) مقولة قديمة كانت تطبق و لكنها أخذت في الفناء مع قرار منع ضرب الطلاب في المدارس و الذي أدعمه تماماً و لكن لابد من سن القوانين الصارمة تجاه من يتعدى على المعلمين و لا بد من أن يكون هناك عقابات رادعة لكل من تسول له نفسه لإرتكاب تلك الأفعال المشينة بحق من قال فيهم أمير الشعراء أحمد شوقي :
( قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشىء أنفساً و عقولا ) !

خاتمة :
الجحيشة أخافتنا كطلاب و السكينة أصبحت سلاحاً للطلاب !

ما بعد الختام :
كنت أظن و كنت أظن و خاب ظني !

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

شفافية ووضوح القيادة

بقلم : اللواء م / سعد الخاطر الغامدي عندما تتحدث القيادة بهذه الشفافية والوضوح لتضع …