الرئيسية / المقالات / الراس اليابس

الراس اليابس

لفظ شعبي في دول الخليج و يستخدم لوصف الشخص العنيد الذي لا يسمع لأحد و يفتقر للباقه أثناء النقاش و يحب أن ينفرد برأيه دائماً و يستحيل أن تقنعه برأيك مهما كان منطقياً و هو ( يقاوح ) في كل شيء و لضعف حجته في كثير من المواقف تجده يرفع صوته و يبدأ بالصراخ مع إحتقان الوجه و كثرة حركة اليدين التي تدل على العصبية و هو نادراً ما يعتذر حتى لو إكتشف خطأه و وجد أن كلامه لم يكن صواباً !

هذا النوع للإسف متواجد و بكثرة في مجتمعاتنا و يكفي أن تشاهد أي برنامج حواري تلفزيوني لترى العناد بعينه فدائماً تلك البرامج تحضر متحاورين من جهتين مختلفتين و لكل منهما رأيه الذي لن يحيد عنه مهما أحضرت له من دلائل أو إثباتات و يصر على كلامه و يعتقد أن إقتناعه و عدوله عن رأيه بمثابة ضعف شخصية و إنهزامية يعني ( طارت جبهته ) و لذلك فهو تأخذه ( العزة بالإثم ) و يبقى عنيداً و متصلب الرأي و ينسى مبدأ الحوار و الذي أساسه ( عندما أحاورك فليس مهماً أن أكون أنا على حق دائماً بل الأهم أن نصل كلانا للحقيقة ) !

في ما مضى من الزمان ( وقت الطيبين ) كنا نتابع جميع محطات الخليج من خلال التلفزيون بدون وجود الأقمار الصناعية و كان جهاز الهوائي ( الأنتل أو الأريل ) شيئاً مهماً للحصول على بث صافي و في الأحساء عموماً تجد أن بعض البيوت بها بثاً صافياً حتى لو كان الهوائي علاقة ملابس فقط بينما البيوت الأخرى تفتقد لهذه الميزة ( لا أعلم السبب في ذلك ) و كان أحد زملائي و قريبي و أسمه وليد بن خالد لديه في بيته هذه الميزة و كنا نحب الجلوس عنده في بيته لمشاهدة التلفزيون وفي يوم من الأيام قام وليد بإحضار عاملاً لتركيب ( أنتلاً ) جديداً من صناعه ألمانية و ماركته ( ويزي ) و بعد إنتهاء العامل من التركيب حضرت أنا و طلبت من وليد أن ( نقص ) السلك القديم فقال لي ( ليه نقصه ؟ ) و رديت عليه ( عشان ما يسوي زحمة ) فقال ( نقصه من جنب التلفزيون ) و أصريت أنا على قطعه من خارج المجلس ( عمياني ) متعللاً بأن السلك القديم مغبر و بعدين نقدر نسحب باقي السلك من داخل المجلس و طبعاً أيضاً أصريت أنا و بعناد أنني أنا من يقوم بعملية القص و بمجرد بدأي بمحاولة القطع قال لي وليد ( خليفة الصورة وشوشت لما لمست السلك بالسكين ) فكان ردي الغريب ( أكيد الصورة بتتأثر لأن السلكين متلامسين ) فأكملت القص و طبعاً أختفت الصورة لأني قطعت السلك الجديد و طلبت منه يجيب ( شطرطون ) عشان أعيد توصيل الأسلاك و أنا أبرطم ( الهندي هذا علة كيف يكون السلك الجديد مغبر و القديم نظيف ) طبعاً بدون ما أقول أني كنت غلطان و بسبب عنادتي قصيت السلك الجديد برغم ترديد وليد لي ( خليفة شكلك جالس تقص الجديد ) و كان ذلك الموقف و الذي حدث لي في المرحلة الثانوية درساً في الإبتعاد عن العنادة و محاولة تخفيف ( يبوسة الراس ) و أتمنى أن أكون نجحت في ذلك !

طبعاً طبع العنادة و صعوبة المراس تتعب صاحبها لأنه سيقضي معظم يومه في الجدال و النقاش و الصراخ سواء في العمل أو الشارع أو حتى في المنزل و في النهاية يستغرب أنه يصاب با ( الصداع ) آخر اليوم و مع ذلك فهو يصر و بعناد أنه يقدر على التخلص من الصداع بدون البانادول و لو تطلب منه ربط رأسه و لكنه لا يتراجع عن كلامه و أعتقد ( غير جازماً ) أن هؤلاء الأشخاص معرضين للأمراض بأنواعها و يكفي أنه ينام متنكداً و منكداً و يصحى كذلك !

الإستماع للآخرين فن يجيده البعض و هؤلاء يعتقدون بأنه لكي تفهم الآخرين لا بد من أن تستمع لهم بإنصات و بصدق و ليس بأن تستمع و أنت مجهزاً ردك لأن ذلك يؤدي إلى الكثير من سوء الفهم الذي يؤدي بدوره إلى تضييع الأوقات و الجهود و العلاقات التي كنت تحرص على إزدهارها و تصبح المشكلة مزدوجة إذا كان هو أيضاً لا يجيد فن الإستماع !

في يوم من الأيام و في أحد الشوارع الجانبية الضيقة و التي تسمح بمرور سيارة واحدة فقط تقابل شخصان بسياراتهما في منتصف الطريق و أصر كلاهما على عدم العودة للخلف و بقي كل منهما خلف مقودهم صامداً فقام أحدهما بتشغيل موسيقى هادئة إشارة منه أنه فاضي و للرد عليه قام الآخر بإخراج جريدة و بدأ في القراءة فما كان من الأول الا النزول من سيارته و طرق نافذة السائق الآخر و بادره بالكلام قائلاً ( إذا خلصت الجريدة هاتها لي لأني ما قريت جرايد اليوم ) !

تحضرني الكثير من قصص العنادة و لكن سأكتفي بما ذكرت لأن سرد تلك القصص يحتاج لمجلدات عوضاً عن المقال !

اللهم أبعد عنا و عنكم العناد و كثر الجدال و إجعلنا ممن يتحدثون بمبدأ و يستمعون بإنصات و سلامتكم !

خاتمة :
( هلا يا بو شعر ثاير ) تغنى بها أبو نورة و ليعذرني لتغييرها إلى ( هلا يا بو راس يابس ) !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

ولي العهد سربنا قدماً

بقلم | أحمد عيسى الحازمي ولي العهد الأمير الشجاع الهُمام ابن الهُمام ابن الهُمام الإمام، …