الرئيسية / المقالات / فن التغافل

فن التغافل

التغافل في اللغة هو تعمد الغفلة و هو أيضاً تكلف الغفلة مع العلم و الإدراك لما يتغافل عنه تكرماً و ترفعاً عن سفاسف الأمور و فيه قال الإمام أحمد بن حنبل ( تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل ) و قد روي عن أحد الحكماء قوله ( لا يكون المرء عاقلاً حتى يكون عما لا يعنيه غافلاً ) !

التغافل فن لا يجيده الا القلة ممن رحم الله و له عدة أساسات أولها الإعتقاد بحسن نية من تتعامل معهم و أن الأصل في الناس هو الطيبة و الثاني أخذ نفساً عميقاً قبل إتخاذ أي قرار أو ردة فعل تجاه ما صادفك و سؤال نفسك هل سبق لي أن قمت بمثل هذا العمل أو تفوهت بمثل هذا الكلام ؟ و لو كنت مكان الشخص المقابل كيف كنت سأتصرف أو ماذا كنت سأقول ؟ و أخرها التفكير في ماذا سأجني إذا تصرفت بتصرفي المعتاد أو تغافلت عن الموقف برمته ؟ و بعد تطبيق كل هذه الأساسات بحذافيرها ستصبح إنساناً يجيد هذا الفن بأصوله و أحكامه و أيضاً سيمكنك من كسب الكثير من التعاطف و ردود الفعل الجميلة التي تضفي على حياتك سعادة و تجعل كل من يعاملك يحترم قولك و فعلك و يأخذ بآرائك و يستشهد بحديثك !

ننشغل بقوة بمراقبة الناس و معرفة تحركاتهم و همساتهم و كل ما يتعلق بهم في جميع أوجه الحياة سواء في إطار العائلة أو العمل أو حتى الشارع و تلوك ألسنتنا بالكلام و التحليل و التمحيص و وضع الإستنتاجات عن الآخرين ( و التي غالباً ما تكون خاطئة ) و نتناسى أنفسنا و كأننا نتحلى بالكمال في كل أوجه حياتنا اليومية و كل منا يعتبر نفسه خطاً أحمراً يمنع تجاوزه و الآخرين خطاً أخضراً يتجاوزه كيفما أراد و كمثال بسيط على ما قصدت عندما يقوم أحدنا بدخول مطعم للأكل فإنك تجده ( يتفرج ) على جميع الطاولات التي يمر بها و يبحلق في الأطباق الموجودة لديهم و كأنه يريد الجلوس و الأكل معهم و نفس الشيء عندما يهم أحدهم بالمغادرة فجميع من يجلسون بالمطعم راح ( يقزقزون ) فيه أثناء خروجه و تتخلل الحالتين تحليل للبس و الهندام و المشية و الأطباق و طريقة الأكل و طريقة الجلوس و و و و و و غالباً هذه التحليلات تكون على وجه الخصوص في صالة الأكل المخصصة للعوائل لأن السيدات ( ما شاء الله عليهن ) يتمتعن بدقة ملاحظة رهيبة و إن كان الشباب أيضاً ( ما يهونون ) لأن لديهم شماغ راداري لا يفوت شاردة و لا واردة الا إلتقطها ( من راقب الناس مات هما ) !

في تعاملنا مع من حولنا يجب أن يشغل التغافل الحيز الأكبر من ردود أفعالنا لأن التدقيق في كل كلمة و كل تصرف سيجعلنا نعادي جميع الناس ففلان ما عزمني و فلان ما قدرني و فلان ما سلم علي بحرارة و فلان يفضل الآخرين علي و هلم جرا بدون إلتماس الأعذار لهم و نسيان أنك أنت نفسك ستكون في مكانهم يوماً ما و تتمنى أن يعذرونك لا أن يألبوا الآخرين عليك و كم من جملة إعتراضية على موقف معين خلت من التغافل تفوهنا بها و أكتشفنا خطأها بعد فوات الأوان فيجب عدم الحرص على محاولة إكتشاف الاخرين اكثر من اللازم و الإكتفاء بالخيرالذي يظهرونه في وجهكك دائما و ترك الخفايا لرب العباد و قد روي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه قوله ( لو اطْلَعَ الناس على ما في قلوب بعضهم البعض لما تصافحوا إلا بالسيوف ) ! و هذا كان على وقت الصحابة و التابعين فما بالك بحالنا الآن !

في حياتنا اليومية نحتاج للتغافل عن ما يصادفنا من مواقف و ما تردنا من رسائل و في تعاملنا مع من حولنا في البيت أو العمل و أن نقدم حسن النية و أن يكون لدينا حسن تصرف في ما يجب و ما لا يجب علينا قوله و فعله تجاه ما يواجهنا من مواقف و إذا تحققت المعادلة الثلاثية ب ( التمسك بالحلم و البعد عن العناد و التغافل عن كثير من الأحداث ) فإن أيامنا ستبدو وردية اللون و ستجد الإبتسامة ترتسم على الوجوه عوضاً عن الإحتقان الذي نشاهده على محيا الجميع في زمننا الحاضر !

وقفة :
غيب الموت خلال هذا الأسبوع خالتي ( مريم بنت مبارك الملحم ) و التي أعتبرها عنواناً للمرأة المؤمنة الصابرة كما فقدنا ليلة الجمعة الشيخ ( عبدالرحمن الحواس ) جارنا العزيز و رفيق درب والدي رحمهما الله و سأخصص المقال القادم بأذن الله للحديث عن أم عبدالله و أبو إبراهيم !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

الطفل وحب القراءة

بقلم | د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان  قراءة الطفل فى مرحلة مبكرة من عمره …