الرئيسية / المقالات / رحيل من نحب ( أبو عاصم )

رحيل من نحب ( أبو عاصم )

بقلم | د. خليفة الملحم

الكتابة في لحظات الحزن تكون صعبة جداً فكيف عندما تكون برحيل من نحبهم فأبن عمي أحمد ( رحمه الله ) شخص أحبه في الله و كلما هممت في الكتابة عنه أجدني أتراجع فلا أعلم من أين أبدأ و لا ماذا أسجل فالدموع تسبق الحروف و الحزن يسيطر على الدماغ فتتشتت الأفكار و تتباعد الجمل و تأبى السطور أن تكتمل فهي تشاطرني الحزن و الدموع في آن واحد و لكني قررت المضي قدماً و إكمال ما جال في خاطري برحيل أبن عمي !

الحديث عن أبن عمي ( رحمه الله ) لا حدود و لا نهاية له فهو صاحب قلب أبيض و كلمة طيبة و من النادر أن تجده رافعاً صوته حتى أثناء نقاشاته مهما كانت حدتها و الحروف التي ينطق بها غالباً ما تكون هادئة بعيداً عن العصبية و الصراخ و هو شخص محب للخير و يسعى له بشهادة الكثيرين ممن عملوا معه فأياديه بيضاء و كرمه لا حدود له و في تعاملي الكثير معه فهو لا يحب ان يكون شخصاً مزعجاً أو لحوحاً في طلباته كما أنه دقيق في مواعيده فهو لا يمانع أن ينتظر و لكن لا يحب أن يكون سبباً للتأخير، رحمك الله يا أبن عمي ففراقك لا يعوض و فقدانك يزيد آهات القلب !

في أغسطس الماضي كان لي مع أبو عاصم لقاء في منزله في بداية مرحلته العلاجية بعد تشخيصه و كان متفائلاً و راضياً بما قسمه الله له و راجياً من الله أن يعينه على العلاج و أن يكتب له الشفاء و في ذلك اللقاء في وجود أبنائه تبادلنا الذكريات و أحداث قديمة مرت علينا و آخرى عن أجدادنا و أسررت له أني أتمنى الكتابة عن تلك الأحداث و الحقبة الزمنية التي لا يعرف عنها جيلنا الحالي الشيء الكثير و يشاء رب العالمين أن أول ما أكتبه من ذكريات منذ ذلك اللقاء عنه رحمه الله !

في أحدى الفجريات أستيقظنا على خبر وفاة جدي عبدالمحسن ( رحمه الله ) و عندما توجهت بطلب من والدي ( رحمه الله ) لإلقاء نظرة أخيرة على جسد جدي المسجى على فراشه و تقبيل جبينه كان أحمد إبن عمي ( رحمه الله ) جالساً في زاوية الغرفة و قبضة يده اليسرى على خده الأيسر و دموعه على وجهه و هذه النظرة إلتصقت في مخيلتي و ترددت في كل حالة حزن تمر بنا و كنت أذكره بها عندما شاهدته في لحظات مماثلة عند وفاة أي من أقاربنا و كأن هذه النظرة و الحركة و الجلسة ماركة مسجلة له ( رحمه الله ) و لم انتبه أنني بعد دفنه بدقائق جلست عند قبره داعياً له بالرحمة و بأن تكون الجنة داره و قراره و كنت في تلك اللحظات واضعاً قبضة يدي اليسرى على خدي الأيسر و دموعي على وجهي و كأني أردد ( أحزن على فراقك بنفس طريقة حزنك على فراق من أحببناهم من قبل )، آه يا أبن عمي كم أحبك و كم أفتقدك و لا أقول الا إنا لله و إنا إليه راجعون !

في نهاية إجازة صيف ١٩٨٧ كنت عائداً من القاهرة بمعية أخيه ابن عمي الدكتور سعد لمطار الأحساء عن طريق الرياض و كان من المفترض أن يستقبلنا أحمد ابن عمي ( رحمه الله ) و لكن إنتظارنا طال و أحمد لم يحضر و جميع الركاب غادروا المطار فقررنا العودة بالتاكسي و أثناء عودتنا و عند أول إشارة مرور شاهدنا حادثاً شنيعاً نتيجة تصادم سيارتين أستوجب توقفنا و هناك شاهدنا أحمد ابن عمي واقفاً و مردداً لنا انه طيباً و لم يصب بأي مكروه برغم أن من يشاهد الدمار الذي حل بسيارة إبن عمي لا يصدق أنه خرج منها سالماً و كنت كلما ذكرته بهذا الحادث يرد علي أنه يشكر رب العالمين في كل سجدة عندما يتذكر أن ربي سبحانه و تعالى نجاه من ذلك الحادث المرعب و شاء ربي أن يمد في عمرة ٣٣ سنة آخرى بعد ذلك الحادث المخيف و لكن المرض لم يمهله أكثر من تسعة شهور بالتمام و الكمال منذ يوم تشخيصه ( رحمه الله ) قضى فيها فترة علاجه صابراً متأملاً و راجياً من الله ان يمن عليه بالشفاء و لكن قدرة الله إختارته صبيحة الأثنين ١٦ مارس ٢٠٢٠ عن عمر قارب ال ٦٢ عاماً !

ما مضى ليست كلمات رثاء فأنا لا أجيدها و لكنها خواطر جمعتني بإبن عمي الذي رحل عن هذه الدنيا الفانية إلى رحمت رب العالمين و كما يقال ( الي خلف ما مات ) فاني على ثقة أن عاصم و أخوانه و أخواته سيكونون بارين بوالدهم بعد وفاته بالدعاء له و الصدقة عنه !

أن العين لتدمع و إن القلب ليحزن و إنا لفراقك يا ابن عمي لمحزونون، سطور في رحيل من نحب ( أبو عاصم ) رحمك الله يا ابن العم و جعل مثواك الجنة مع الصديقين و الشهداء و إنا لله و إنا إليه راجعون !

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

كمين المظاهر

بقلم : حمد المطيران أغلب الناس اليوم واقعون ضحايا برمجات متعددة ، سعت الى إخفاء …

تعليق واحد

  1. رحمة الله عليك يا خالي طبت حياً و ميتاً أبكيتني يا دكتور خليفة ر حم الله خالي أحمد مثال للبر بوالديه محب و معين على الخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: