الرئيسية / المقالات / أم عبدالله و أبو إبراهيم

أم عبدالله و أبو إبراهيم

لا أجيد لغة الرثاء إطلاقاً و لكن أبدلها بالدعاء لمن غادر هذه الحياة بالرحمة و أن يلهمنا الصبر و السلوان لفقدان من نحب و خلال هذا الشهر غيب الموت خالتي أم عبدالله و جارنا أبو إبراهيم و لمكانة كل منهما في قلبي كانت لي هذه السطور !

أم عبدالله خالتي مريم بنت مبارك الملحم إختارها الله إلى جواره مساء يوم الأثنين العاشر من شهر ربيع الآخر 1435 هجرية بعد أن أفنت حياتها في خدمة الآخرين و قدمت لي و لمن يعرفها مثالاً للمرأة المؤمنة الصابرة على بلاوي الدهر و كانت نعم القريبة و نعم الجارة تعلمت على يد المطوعة القراءة و الكتابة لتتمكن من قراءة القرآن و تعلمت من والدتها كيفية معالجة الإصابات و مداواة الجروح و تغسيل الموتى و علمت بناتها و سيدات أخريات الطريقة الصحيحة لتغسيل الميتين من النساء و من التعليقات التي رثت خالتي و أثرت بي كثيراً ( مريم داوت كل الجروح و نسيت جراحها ) !

ولدت خالتي عام 1356 هجريه بمدينة الرياض و من ثم أنتقلت إلى الأحساء عام 1383 هجريه و لا تزال إبتسامتها الممسوحة بحزن و لسانها الذاكر لا تفارق مخيلتي و منذ نعومة أظافري و تذكري لخالتي و أنا أراها لا تكاد تتسلح بالصبر على نائبة من نوائب الدهر الأ و قد لحقتها مصيبة أخرى و هي صامدة و متوكله على ربها و جملة ( لا حول و لا قوة الإ بالله ) وقودها لكل ما صادفت في حياتها !

خالتي فقدت إبنها عبدالمحسن ( رحمه الله ) و هو لم يتم ال 17 من عمره في حادث سيارة و من ثم فقدت إبنها الآخر عبدالعزيز ( رحمه الله ) في حادث سير آخر بعد ذلك بسنين و كان في بداية العشرينيات من حياته بسبب إصطدامه بشاحنه على طريق الجبيل و هل هناك أعظم من فقدان فلذات الأكباد و لكن خالتي ( رحمها الله ) إستعانت بالصبر و الصلاة و فعل الخير و الدعاء لهما ليلاً نهاراً بالرغم أن فقدانها لولدين كسرها كثيراً و كانت في كل مره تراني تحتضنني بشده و تقول ( آه يا خليفة أني أشوف فيك محيسن ) و كانت آهتها تقطع قلبي و أرد عليها بإبتسامة ( لا أعرف من أين أستحضرها ) و أنا يا خالتي ( أشتم رائحته بك ) !

من المواقف الصعبة التي مرت على خالتي أنها تعرضت لحادث سير أمام باب منزلها من قبل أحد أبناء الجيران مما تسبب في كسر عظمة فخذها و التدخل الجراحي و كانت ( رحمة الله عليها ) مصرة أنها تعرضت للوقوع في درج مدخل المنزل و لم تتعرض للدهس و قبل سنوات بسيطة تعرضت خالتي ( رحمة الله عليها) لعملية القلب المفتوح و صاحب تلك العملية تلوث بالجرح و مضاعفات عديدة أتعبتها و أنهكتها و من ثم تعرض جزء كبير من جسدها المنهك لحروق من الدرجة الثالثة قبل حوالي الشهر و كانت تلك الجروح و ما صاحبها من حالة الإختناق في مجرى التنفس أقوى من أي علاج و من أي تدخل طبي مما أدى إلى تعطل جميع أجهزتها الحيوية عن العمل و من ثم وفاتها و كان آخر جملة ذكرتها و هي في الطريق إلى المستشفى ( يا الله النجاة من النار ) !

ما ذكرته لا يعدو كونه غيض من فيض من الإختبارات و المواقف العصيبة التي تعرضت لها أم عبدالله في حياتها و عندما وصلني نبأ وفاتها إختلطت لدي المشاعر بالحزن على فراقها و السعادة لها فقد أدت رسالتها كما يجب وآن لها أن تستريح من هذه الدنيا الفانية و أحسبها شهيدة بإذن الله و برحيلها تركت لنا إرثاً من العطاء و الإيثار و حب الآخرين و مساعدة المحتاجين و تركت لنا أنموذجاً في كيفية التغلب على تقلبات الدهر و نوائبه و لا يسعني الا أن أرفع أكفي للدعاء إلى الله بأن ينجيها من نار جهنم و يجعل مثواها الجنة و أن ينقيها من الذنوب و الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس و أن يجعل قبرها روضة من رياض الجنة ( آمين آمين آمين ) !

أبو إبراهيم الشيخ عبدالرحمن بن محمد الحواس إختاره الله إلى جواره مساء يوم الخميس 13 من شهر ربيع الآخر لعام 1435 هجرية بعد معاناة مع المرض و تقلباته على مدى شهور عديدة حتى لبى النداء الإلهي ليلة الجمعة بعد حياة حافلة قضاها أبو إبراهيم بين سلك التعليم و الدعوة و فعل الخير !

قابلت أبو إبراهيم للمرة الأولى في حياتي حين كان والدي ( رحمه الله ) يعمل مع المرحوم حواس الحواس اخو الشيخ عبدالرحمن في المعهد العلمي بالاحساء حيث كان معلمي المعهد في رحلة لــ ( عين ام سبعة ) وصادف تواجد ابو ابراهيم هناك
و قد أعجبتني طريقة حديث الشيخ عبدالرحمن و الذي كان يتحدث بلغة فصحى جميلة و خفيفة و جاذبة تجعلك تستأنس بالإستماع و الإنصات لما يقول من درر و حكم و منذ عام 1982 م أصبح منزلنا بجوار منزل الشيخ فكان نعم الجار و أيضاً الجيران الآخرين تغمرهم المحبة و تربطهم أواصر المودة فكانوا على يد واحدة تجمعهم البسمات و تفرقهم الضحكات و لا زالوا كذلك و إن فرقتهم الأماكن و الظروف !

ولد الشيخ عبدالرحمن في شهر ربيع الثاني من عام 1348 هجريه و في سن السادسة إلتحق بدراسة القرآن الكريم على يد الشيخ محمد المتين و أجاد الحفظ و التلاوة ثم ألتحق بالمدرسة الأميرية الأولى و بعد ذلك إستمر في الدراسة و التحصيل العلمي و عمل معلماً لفتره تزيد عن الربع قرن و من ثم في مجال الدعوة و الإرشاد لمدة تزيد عن العشر سنوات و بعدها توقف عن الركض العملي و لكنه أستمر إماماً و خطيباً لجامع حينا و الذي إشتهر بإسمه !

كان رحمه الله فصيح اللسان و عندما كان يقف على المنبر يوم الجمعة فأن ما تسمعه منه يكون درساً وافياً في الوعظ و النصح بدون تكلف و لا زيف و كان رحمه الله يضيف شيئاً من أشعاره الراقية و التي تناسب ما يقدمه من خطب و في صلاة الفجر كان يشدني كثيراً عندما يقرأ سورة ( الإنسان ) فهو يرتل هذه السورة بطريقة عجيبة يجعل الدموع تهرب من مقلتيك مهما قاومتها ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكراً و إما كفوراً ) لا تزال ترن في أذناي و كأني أسمعها الآن !

كان مجلسه ( رحمه الله ) يعج بالزائرين بعد صلاة الجمعة ليستمتعوا بحديثه و قصصه و نوادره التي كانت تجعل كل من في المجلس يطلب سماع المزيد و المزيد لأن حديث أبو إبراهيم لم يكن يمل حتى لو إستمر لساعات و كان صديقاً مقرباً لوالدي ( رحمهما الله ) و كانت كثيراً ما تدور بينهما أحاديث جانبية و وشوشة ( يحرصان على أن لا يسمعها أحد غيرهما ) و لكني فهمت مغزى تلك ( الوشوشة ) فيما بعد و لأن التاريخ يعيد نفسه فقد أصبح أبناء الشيخ أصدقاء لي و تجمعنا المحبة في الله !

قبل وفاة الشيخ بعدة أيام و حين كانت حالته الصحية قد وصلت لحد أصبح معه الطب عاجزاً عن فعل أي شيء و لم يكن هناك الا رحمة الله الواسعة دخلت عليه في العناية المركزة و كان كعادته يتمتم بالتسبيح و الذكر ( فوشوشته ) في إذنه كما كان يفعل معه والدي و سألته عن أمنية كثيراً ما دعيت الله بها أن تتحقق فأنفرجت أساريره و وعدته بأن أستمر و ألح بالدعاء بتحقيق هذه الأمنية و في نفس ذلك اليوم قابلت أبنه أحمد لأخبره أن والدنا جميعاً دخل في المراحل الأخيرة من حياته و لا نملك له الا الدعاء !

رحمك الله يا أبا إبراهيم فقد كنت نعم الصديق الصدوق لوالدي و نعم الأب المربي الفاضل و نعم الجار و الإمام الذي أشجانا بصوته العذب و قراءته المؤثرة .

اللهم إرحم والدي و جميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية و لنبيك بالرسالة و ماتوا و هم على ذلك !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

الطفل وحب القراءة

بقلم | د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان  قراءة الطفل فى مرحلة مبكرة من عمره …