الرئيسية / المقالات / «مدرسة المروءة»

«مدرسة المروءة»

بقلم | ماجد بن مطر الجعيد

كتب الدكتور طه حسين يقترح إنشاء مدرسة باسم مدرسة المروءة؛ ساخراً من الجيل الذي طبع على سفاسف الأخلاق، وكان هذا الاقتراح في عصره، ماذا سيقول لو كان بيننا وفي عصرنا الحالي الذي وصلت فيه الأخلاق لمستوى متدني جداً تعجز الحروف عن وصفها – ليست نظرة تشاؤمية بل واقعية يجب تداركها – وما نحن فيه اليوم إلا من انعدام القيم، والأخلاق الراسخة، وفساد الذوق، وغياب الأدب، وعدم النضج الفكري، والاضطراب المنهجي، والتشتت المعرفي، والتأثر بكل ماهو مستورد قبيح.
كلنا لا نرتضي لأنفسنا النزول عن معالي الأخلاق إلى الدناءة؛ لكنها قلة المروءة التي نصبح ونمسي على مشاهدتها في الشبكات الاجتماعية، التي تسحبنا تياراتها دون أن نشعر وتجنح بنا لحد الغرق، ثم لا نجد طوق النجاة إلا متأخراً، وحسبنا أننا نجيد السباحة! سباحة على غير هدى يَكِلّ معها المتن، وتضعف الإرادة، وتنعدم الرؤية لكثرة الأمواج المندفعة من حولنا، ونكاد نفقد البوصلة التي توجه وعينا نحو الشاطئ الذي فيه نجاتنا.
المروءة هي أخلاق الرُّجُوليَّة من شيمة وشهامة ونخوة وشجاعة وما يقوم مقامها من مكارم الأخلاق فلا يحجبها مخروم المروءة ممن يُبدّلُ شرف المقصد على غير أصله.

أحاديث مغرور يتسول المال في أول شهرته، فإذا شبع دأب على الانتقاص من الأعلام الحي منهم والميت، وبدا ما يكتم من هواجس مريضة تعتلج في صدره وتقوده إلى الخطر؛ فيظنه الناس بعد ذلك الناقد الثقة المشهور، وما ذلك إلا غرور السراب الذي يختفي حين تقترب منه.
يقول الشيخ أبو فهر محمود شاكر في جمهرة مقالاته:
و‏رحم الله الشعبيّ فقد كان يقول: «تعايش الناس زماناً بالدين والتقوى، ثم رُفِعَ ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس اليوم إلا بالرغبة والرهبة. وأظنه سيجئ ما هو أشد من هذا».
ولقد جاء وفات ما نحن فيه ظنونَ الشعبي. فما يتعايش الناس اليوم إلا بثلْبِ الموتى!

وثاني مخبول يدعي الطرفة والنكتة، وأقل ما نصفها به أنها تفاهات وسفاهات مموَّهة بالكذب والنفاق.
نعم إن الحياة لا ينفع معها الجِدُّ دائما ولا الهزل دائما، فالذكي الفطن هو من يتقنها في وقتها وفي مكانها. لأن التفكه والتسرية عن النفس مطلب لا غنى عنه، لكن ليس على حساب الآخرين بأن يكون ثقيلا في مزاحه وحديثه، لا يحفظ عهداً ولا يرعى ذمة.

وثالث محروم ينشر شذوذه ويجر ضعاف النفوس إلى الرذيلة؛ بحجة أنها من طبيعته ولا يخجل من ذكرها وعرضها، ويزعم في صفاقة وجه إعلانه الحرب على الفطرة والناموس الطبيعي، وهو لا شك خاسر؛ لأن ممارساته وسلوكياته الخارجة عن نطاق المألوف والطبيعي تعد انتكاس عن الخلقة التي خلق الله الناس عليها. ورابع وخامس والقائمة تطول..!
كل هذه المطالعات والمشاهدات المتكررة من نفس الفئات تفسد المروءة إن لم تكن تقتلها؛ وما نقوله بيِّن لا خفاء فيه.

إن حلقة التغيير الأخلاقي وتحول القيم في عالمنا العربي مستمرة وبشكل متسارع ومهول!
لا نعتب عليهم لأنهم تجاوزوا العتب إلى الشفقة بل على الذي ترك لهم الحبل على الغارب؛ من المربي القدوة، وطالب العلم الجاد، والأب المسؤول، والأم الواعية، وغيرهم من أفراد المجتمع الذين بيدهم صلاحه، هؤلاء كلهم تركوه يواصل ويستمرئ نهج العبث والضياع مع الجيل؛ الجيل الذي هو كالرقعة البيضاء تتشرَّب كل شيء، فلما كان ما كان تعفّنت وفسدت!

قال منصور الفقيه الأديب الشاعر [ت: ٣٠٦ هـ] :
وإذا الفتى جمع المروءَة والتُّقَى
وحوى مع الأدبِ الحياءَ فقد كمل

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

مواسم الخير

بقلم | د. عثمان بن عبدا لعزيز آل عثمان  أقبلت أيام  عيد الفطر  المبارك. فمرحبا …

تعليق واحد

  1. الله يعطيك العافيه دائم مبدع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: