الرئيسية / المقالات / غُربة …….. وطن

غُربة …….. وطن

لم يكن مساء الثلاثاء الماضي عادياً بل كان عبارة عن مشاعر ترقب و توجس و إنتظار و قلق حيث كان معظم مواطني وطني في إنتظار الأخبار السارة لحركة نقل المعلمين و المعلمات و كأني أشاهد الأب و الأم و الأبن و البنت و الزوج و الزوجة و الأخ و الأخت جميعهم تعلقت قلوبهم بجهاز اللاب توب و في يدهم ورقة مكتوب عليها رقم هوية من يحبون و ألسنتهم تتمتم و تدعوا بأن يشاهدوا جملة مبروك لقد تم نقلك ليتحول المكان بعد ذلك إلى حالة من الفرح و ( الزغاريد ) و التبريكات و الوعود بالعزائم و تفر دمعة فرح من تلك الوجوه و لكن للأسف لم يكن هذا الحال الا الإستثناء بينما أغلبية المنتظرين زادت لديهم حالة الحزن و عليهم الإنتظار عل و عسى أن يأتي الفرج في الأعوام القادمة و لم يكن في إمكان هؤلاء المنتظرين الا قول ( الحمد لله علها خيرة ) بعد مشاهدة جملة ( لم تنقل ) على الكمبيوتر و كأن قاموس اللغة العربية خلا من جملة ألطف من ذلك يكون فيها من رفع الروح المعنوية لمن كان ينتظر على أحر من الجمر !

في السطور التالية سأتناول قصة ( أم عبدالله ) و هي مثال واقعي لما يحدث في وطننا المترامي الأطراف ( مع علمي التام أن هناك أكثر من قصة و أكثر من أم عبدالله في هذا الوطن ) و سأترك للقراء سرد القصص الأخرى في تعليقاتهم !

تخرجت ( أم عبدالله ) من كلية البنات بالدمام عام ١٤١٨ تخصص فيزياء غير تربوي ( يعني قبل إلحاق هذه الكليات بجامعة الدمام ) و إحقاقاً للحق فأنا لا أعلم ماذا يعني بغير تربوي و ما هي الأسس و الشروط لإعنبار الكلية تربوية أو غير ذلك و من ثم إنتظرت أم عبدالله مع المنتظرات في سبيل التعيين و بما أنه نما إلى علم أبو عبدالله أن مسألة ( الغير تربوية ) مؤثرة فقد قام بإلحاقها بإحدى الجامعات الخاصة والتي تمنح دبلوم ( تربوي ) و من ثم إلحاق تلك الشهادة بشهاداتها الأخرى !

تعينت أم عبدالله بعد صبر و جلد دام ١٦ عاماً في منطقة حفر الباطن على بعد ٥٠٠ كم عن الدمام و من ذلك الوقت إختلط الفرح بالتعيين مع لقب ( غريبة في وطني ) لتبدأ بعد ذلك معاناة الغربة و بعد المسافة و فقدان الأهل و الأحباب و فلذات الأكباد و من ذلك أنها لم تتمكن من حظور حفل تخرج إبنتها في مدرستها و الذي أقيم في وسط الأسبوع و بدلاً من أن ترتسم علامات الفرح على محيا إبنتها فقد إرتسمت علامات الحزن و الدموع لعدم وجود والدتها فما كان من مديرتها و بلمسة حنان و أمومة الإ إحتضانها بدمعة كونها إحدى المتفوقات ( برغم تحفظي الشديد على حفلات التخرج التي تقام في المدارس قبل نهاية العام الدراسي فليس من المعقول تكريم طالبات و قد لا ينجحن في نهاية المطاف ) !!!

معاناة أم عبدالله في السفر من و إلى حفر الباطن مستمرة فالطريق طويل و وسائل النقل غير متاحة و البدائل تكاد تكون معدومة و الوسيلة الأمن هي سفر أبو عبدالله في الإتجاهين و ما يترتب على ذلك من مخاطر فالقيادة لألف كيلو ليست بالمسألة السهلة و ليست واقعية أن تتم يوم الخميس لإحضار أم عبدالله و من ثم السبت لإعادتها و الإستعانة بسائق لا يخلو من القلق و التوجس من تلك الحوادث المميتة التي تحدث يومياً للمعلمات ( المغتربات ) و من ثم كان التفكير في باص ال ( VIP ) و لكن ذلك النوع من الباصات يغادر من الخبر إلى الرياض فقط ( أستغرب الا تستغل مثل تلك الباصات في جميع الإتجاهات نهاية كل أسبوع فهي مدرة للأرباح ) و عندما وقع الإختيار على الطيران فكان لابد من السفر عن طريق الرياض في الذهاب و العودة في رحلة تستغرق بين ال ١٠ – ١٢ ساعة ( يعني ساعة زيادة و توصل نيويورك ) منذ الخروج من المنزل إلى مطار الدمام ثم الرياض و الترانزيت في الرياض لمدة بين ٣ – ٥ ساعات فأصبحت تلك الرحلة عبارة عن إضاعة للوقت و عادت أم عبدالله للطريق البري مرة أخرى و أستمرت و غيرها الكثيرات مواطنات غريبات في أوطانهن !

إنتهت قصة أم عبدالله و التي ستبدأ مع العام الدراسي المقبل عامها الثالث بحفر الباطن المدينة التي يقطنها أناس طيبون و محبون و كرماء و لكن هذا لا يكفي لأم عبدالله لتعبر في حياتها إلى الأمان و الإستقرار الأسري و هي ستكون في طابور الإنتظار مرة أخرى العام المقبل و لا تنفك من الدعاء أن يأتيها الدور و تعود لمسقط رأسها !

لا يمكن أن ننكر الجهود المبذولة من قبل وزارة التربية و التعليم لتوظيف الخريجات و حاجة جميع طلاب و طالبات هذا الوطن للتعليم في كل أنحاء الوطن و الأعداد المهولة المسجلة في جدارة تقف عائقاً في وجه الوزارة و لذلك كان لابد من اللجنة المنوطة بالتوظيف من تقنين الأعداد و وضع الشروط حتى تقل الأعداد المفاضل بينها و منها عدم تعيين ( الغير تربويات ) أو إختيار تاريخ معين من المسجلات في جدارة بحيث أن يستبعد كل من قام بالتسجيل بعد هذا التاريخ أو أي طريقة أخرى يجعل الأعداد تقل عن ما هي عليه واقعياً و إن كنت أرى أنه من غير المنطقي ( مثلاً ) أن تعين خريجة جدة في منطقة الأحساء و خريجة الأحساء في منطقة جدة و هما تحملان نفس المؤهل و نفس التخصص !

دعواتنا الخالصة للجميع معلمين و معلمات بأن يكون مقر أعمالهم في أماكنهم التي يقطنون بها و دعواتنا للأعداد المهولة من الخريجين و الخريجات بأن يأتيهم التعيين بأسرع وقت ممكن و طرق السلامة لكل من ( تغرب في وطنه ) !

خاتمة :
تمضي السنين و يبقى الحنين !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

أغلى الناس

بقلم | د.سعود المصيبيح تعشق أباها عشقاً كبيراً، وتهتم به.. وتراه الرجل الأنموذج الذي تبحث …