الرئيسية / المقالات / أمي……… و كفى

أمي……… و كفى

عندما هممت بالكتابة عن أمي و أقصد بها أمهاتنا جميعاً وجدت نفسي غير قادراً على المتابعة لأن كل ما سأكتبه ليس الإ نقطة في بحرها ، فأمهاتنا لا يوفيهن حقهن و لو كانت الكتابة بمجلدات و لذلك قمت بتأجيل كتابة هذا المقال عدة مرات منذ شهر شعبان الماضي و إن كان عنوان المقال بقي عالقاً في ذهني منذ ذلك الوقت و لكن الأفكار تتشتت من كثرتها و كل ما سيلي من الكلام ليست الا خواطر بسيطة تجاه أمهاتنا و جناتنا و لن تكون كافية بأي حال من الأحوال في حق أقرب الناس إلى القلب ( حلوة اللبن ) !

في أحدى البرامج اليوتيوبية كان هناك إعلاناً لوظيفة شاغرة و تقدم العديد من الأشخاص من الجنسين للمقابلة الشخصية و التي تم تصويرها بدون علم المتقدمين و كانت شروط الوظيفة العمل تحت الضغط على مدار الساعة و بدون فترات إستراحة و طوال السنة و بدون إجازات إعتيادية أو إضطرارية و لا حتى مرضية و بلا مرتبات ولا علاوات أو إمتيازات مما جعل جميع المتقدمين يرفضون هذه الوظيفة المتعبة و الغير مجزية و من ثم قام المذيع بإعلام جميع المتقدمين إن أمهاتهم هم من يشغلون هذه الوظيفة الشاقة مما أدى إلى إنخراط معظم من حضر تلك المقابلة في البكاء !

أم الأم ( الجدة ) هي أماً أخرى لنا جميعاً و كانت جدتي ( رحمة الله ) عليها بمثابة المفتاح الذي نستخدمه عند اللزوم إذا أحسسنا أن طلبنا سيتم رفضه من قبل والدتي ( أطال الله بعمرها ) و عندما إنتقلت جدتي رحمة الله عليها إلى جوار ربها أحسست بفقدان إنسانة عظيمة لطالما إحتوتني بحنانها و كرمها و قلبها الطيب و قد تركت لنا في والدتي كل الصفات الجميلة و إن كان رحيلها قد كسر والدتي و أضاف مسحة من الحزن على محياها المشرق ( اللهم إرحم جدتي و والدي و جميع موتى المسلمين ) !

الدكتور أكرم هو أحد الأطباء المبتعثين إلى كندا و في إحدى مناوباته في نهاية شهر ديسمبر كان يتجاذب أطراف الحديث مع أطباء و ممرضات قسم الطوارىء و الذي كان هادئاً و غير مكتضاً بالمرضى ( على غير العادة ) عن بعض القصص و الأحاديث في التراث الإسلامي و التي تحكي عن فضل الأم و أنه مهما قدمت لوالدتك و مهما عملت من أجلها فإن ذلك لا يساوي صرخة من صرخات الألم أثناء ولادتك و أن حقها عليك كبير و لا تستطيع الوفاء به و برغم تأخر الوقت في تلك الليلة الا أن الدكتور أكرم لاحظ أن جميع من كانوا يستمعون إليه قاموا بالإتصال بوالداتهم و كان بإستطاعته رؤية إبتساماتهم المختلطة بالدموع و من ثم إنهالت أكبر عبارات ال( Thank you ) في العالم للدكتور و بعد ذلك الموقف أصبح أكرم أشد حرصاً على التواصل الدائم بوالدته و هو كان حريصاً من الأساس و أضاف تعودت أن أسمع صوت والدتي قبل كل إختبار أو قبل كل قرار أريد إتخاذه لأن ذلك يبعث في نفسي الراحة و الأحساس بالأمان !

( صاحب بالين كذاب ) مقولة صحيحة تنطبق علينا معشر الرجال فنحن لا نستطيع التركيز على شيئين في نفس التوقيت و لكن والدتي غير ذلك ، فبالها ينشغل في عدة أمور في نفس التوقيت و قلبها الكبير يتحمل في صمت و هدوء و بلا شكوى و بلا تذمر فأنا و إخوتي و أبنائنا ترمومتراً لأمي فتفرح إذا شاهدت إبتسامتنا و يطير النوم من عينيها عند مرض أحدنا و دعواتها الصادقة لنا لا تنقطع و يكفي أن رؤيتها تشرح الصدر و حضنها يزيل الهموم و مجرد سماع صوتها يبعث في قلبي السكينة و الراحة و متابعتي لها و كيف تتعامل مع أحفادها الذين يستلذون بوجودها يجعلني أردد دائماً ( جزا والدينا الجنة ) !

أحد الزملاء أرسل لي رسالة جميلة مفادها أنك عندما تشاهد و الدتك في المنزل فإنك تقول لها جوعان ، حران ، بردان ، ممكن آخذ ، أبغى أشوف ، وينك يا ماما ، ممكن تطلبين من بابا ، متى و ليه و وين و طلبات و أسئلة لا تنتهي و لكنك عندما تشاهد والدك فأنك لا تسأله الا سؤالاً واحداً وين ماما ؟ في إشارة أننا لا نستطيع أن نستغني عن وجود أمهاتنا على الإطلاق و نستعين بهن في جميع أمورنا اليومية و بصرف النظر عن طريقة مناداتنا لهن بماما أو أمي أو يمه أو أم فلان فإن ترديد إسم الأم بحد ذاته كافياً لتسمع أجمل و أكمل الردود على مناداتك !

خاتمة :
هي دعوة أن نبر بوالداتنا و نستثمر كل لحظة نملكها للتقرب إليهن و هن على قيد الحياة و من كانت والدته متوفية فليكثر من الدعاء لها و الترحم عليها و أن يعمل كل ما بوسعه بأن لا ينقطع عملها بعد أن فارقت الحياة !

ما بعد الخاتمة :
( ما تنرز في سوق الخلاقين ) هي أقسى كلمة وجهتها لي أمي و أنا في الصف الأول متوسط و لا أتذكر أنها وجهت لي أي كلمة أو جملة بها إهانة بل دائماً تردد الله يهديك عندما تكون في قمة عصبيتها !
يارب زدني برها قبل لا أموت
اللي تشيل من الصغر كل همي
حتى الرسول اللي له العلم مثبوت
ثلاث مراتٍ يوصي على أمي

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

اختيار القرار السليم

بقلم | محمد بن فوزي الغامدي حياتُنَا اليوْميَّة مَلِيئةٌ بِالمَواقِف الَّتِي تحْتاجُ إِلى اتِّخاذِ القرَارَات، …