التمعقط

( ما شاء الله عليكم يالدكاترة تفهمون وش بالواحد بدون ما يحكي و الناس المفروض تمعقط بكم ) جملة سمعتها من خمسينياً مصاباً بحادث سير في إجازة العيد و لأني لم أفهم معنى ( تمعقط ) فقد أستسمحته أن يفسرها لي فقال تمعقط يعني تشبث ( تشعبط بالمصري ) و هي باللهجة القصيمية و التي يجهلها الكثير من أبناء الجيل الحالي في القصيم ( على حد قوله ) !

العمل في السلك الصحي يجبرك على مقابلة الناس من جميع الأعمار و الأجناس و الأديان و الألوان و الجنسيات و بما أن وطني الحبيب مترامي الأطراف و متعدد اللهجات فأنك تتعلم كل يوم كلمة جديدة من هؤلاء المرضى و إن كان معظم الناس يتكلمون بلهجة مفهومة للجميع و لكن هناك ممن لا يجيدون هذه اللهجة و يتكلمون بلهجة محلية خالصة و إذا كنت شخصاً من الحجاز مثلاً فإنك لن تفهم كلمة واحدة من شخص يتكلم باللهجة الحساوية الصرفة و بالمثل يمكن القياس على اللهجات الأخرى إذا تم سماعها من غير الناطقين بها و اللهجة القصيمية ( التي أخترت إحدى كلماتها لتكون عنواناً للمقال ) ستكون على رأس القائمة !

نختلف نحن معشر الأطباء كما باقي أفراد مجتمعنا الحبيب في التأثير على الآخرين إيجاباً كان أم سلباً فبعضنا لا يجيد فن الإستماع بتركيز و بإستحضار جميع الحواس لمعرفة ( قصة ) مرضاهم و ليس تاريخهم المرضي فقط بل أكثر من ذلك و إذا أفتقد الطبيب لذلك الفن فأنه سيفتقد لغة الحوار و من ثم عدم القدرة على كسب ثقة المريض و هو الفاصل في مدى تقبل المريض للنصائح العلاجية و قد يتعذر بعضنا بضيق الوقت و إزدحام العيادات و عدم رغبتنا في إطالة فترة الإنتظار للمرضى التالين و لكنه عذراً غير مقبولاً من قبل المريض مما يجعله يترك عيادتك و ربما المستشفى بأكملها لأنه لم يجد الأذن الصاغية و لا الجواب الشافي من قبل طبيبه المعالج بالذات أن معظمنا و للأسف ينسون إبتساماتهم في جيوبهم مع سلسلة المفاتيح و يقابلون المرضى بوجوه متجهمه و عبوسه تتنافى مع رسالة الطب السامية !

أحد الزملاء الأطباء في وزارة الصحة لديه إعتقاد أن المرضى تختلف طريقة تعاملهم مع الطبيب بحسب المنشأة التي يعمل بها و ( الكلام على لسانه ) فتجد المريض يتحدث مع الطبيب الذي يعمل بمستشفى أرامكو بأسلوب مهذب و راقي و لكنه يتعامل مع مثيله في برج الدمام الطبي بصيغة الأمر و النظرة ( الدونية ) مما يعرض أطباء وزارة الصحة إلى مواقف عصيبة مع هؤلاء المرضى إلى حد الشتم و الإيذاء الجسدي بعض الأحيان لأن المريض في المستشفيات الخاصة بوزارة الصحة ينظر إلى الطبيب على أنه شخص يشتغل عنده ( نقلت كلامه بلا تعليق مني ) و كان لديه عتب علي بأني لا أتحدث عن هموم الأطباء و معاناتهم و إحتياجاتهم و متطلباتهم و ما ينقصهم و عن وضعهم المادي المتردي مقارنة بما يعانونه من ضغط نفسي و عصبي و عن إهمالهم لحياتهم الخاصة مقابل إيفائهم بواجباتهم و ما تمليه عليهم ضمائرهم !

في الجمعة الماضية ( 23 / 12 / 1435 ) تم تداول رسالة في الواتس أب معنونة ب( آخر جمعة في العام الهجري ) و بالنظر إلى التقويم فإن الجمعة القادمة ستكون مكملة ل 30 من ذي الحجة ( الشباب جداً مستعجلين على نهاية السنة ) و ليس هذا بيت القصيد و لكن لا أعلم السر في إطلاق مثل تلك الرسائل و تخصيص يوم معين بدعاء معين لا أصل له و لا مرجع فجميع أيام الجمعة تتشابه و يستحب فيها الصلاة على خير الأنام و قراءة سورة الكهف و حبذا لو كانت كل رسائل الجمعة ( و معظمها كذلك ) تكون للتذكير بفضل يوم الجمعة و صفة صلاة الجمعة و كيفية الإستعداد لها و إستغلال ساعة الإستجابة و الإبتعاد تماماً عن تلك الرسائل المنمقة في الشكل و المفردات و محاولة ربطها بتاريخ أو مناسبة معينة !

عودة للتمعقط فهناك من يبث بك الطاقة الإيجابية بكلامه و أسلوبه و رسائله و على النقيض يبعث البعض لك كل ما يثير في نفسك كل السلبيات و التشاؤم فالمفروض أن نتمعقط بالأول و نبتعد عن الثاني فكما يقال أن الدماثة و المجاملة معدية ( Courtesy is contagious ) و جاور السعيد تسعد !

( هات البيز رد البيز و أثر البيز خرقه ) مثل جميل من جملة أمثلة رائعة في موروثونا الشعبي و لكل منطقة من مناطق وطننا الرائع أمثلتها اللطيفة ذات التاريخ العريق و المجال لا يتسع لذكر المزيد منها و أترك ذلك للقراء !

خاتمة :
كل شي حولي يذكرني بشي
أمنية للجميع أن يكون عام 1436 مليئاً بالنجاح و السعادة و تحقيق الأحلام !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

“حفيد المجدد”

بقلم : أحمد بن عيسى الحازمي الحمدلله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه …