الرئيسية / المقالات / من مال الله

من مال الله

في الصغر عندما كان باب بيت جدي ( رحمه الله ) يُطرق في أوقات الظهيرة و نتجه نحن الأطفال لفتح الباب لنجد رجلاً مسناً أو أمرأة مسنة برفقتهما بعض الأطفال و الذين يبدو عليهم مظهر الفقر و العوز فيبادرونك بجملة ( من مال الله ) لنعود أدراجنا داخل المنزل لنخبر جدتي ( رحمة الله عليها ) بأن هناك فقراء عند الباب لتتولى هي مهمة إعطاء من طرق الباب مما جاد الله عليها و من ثم تعود لتسألنا إن كنا فهمنا معنى جملة ( من مال الله ) !

التسول تحول إلى ظاهرة ملحوظة في كل بقاع الوطن و يبدو أنها أضحت حرفة تحتاج تخطيط و جدول ورديات لتغطية مناطق النشاط و هي ذات وسائل متعددة منها الوقوف عند إشارات المرور و إصطياد الزبائن في مواقف المجمعات الكبيرة أو الدخول وراء الزيائن في المحلات و إنتظارهم عند ( الكاشير ) لطلب المال و إحراج الناس كي لا يتعذر بعدم وجود النقود معه و غير ذلك الكثير من الأساليب التسولية التي لا تخطر على البال و لا على الخاطر !

طريق الرياض – الشرقية يمتد لحوالي ال 400 كم و أثناء قيادتي على هذا الطريق وجدت أن هناك متسولات في محطات البنزين على طول الطريق و في الإتجاهين و عند سؤالي لأحد العاملين في تلك المحطات أفاد بإن تلك المتسولات يبدأ دوامهن ال 7 صباحاً حتى صلاة المغرب و من تم يختفين بطريقة مريبة و طريقة تسولهن تبدأ بمجرد أن تتوقف لصب البنزين و بإسلوب غثيث و جلف ( لزقة ) و يستحيل أن تتحرك من مكانها حتى تعطيها شيء أو تنتظرك لحين محاسبتك للعامل و من ثم ( تشبص ) في السيارة حتى تعطيها شيئاً من المال و أيضاً يمكنك ملاحظة وجود إحداهن جالسة على مدخل البقالة الموجودة في كل المحطات و غالباً يكون بمعيتها طفل أو طفلة و هي تقوم بمراقبة جميع جوانب المحطة و كل ما يدور فيها و يبدو أنها ال ( Big Boss ) للمجموعة الموجودة في كل محطة !

شرطة الرياض و على مدى 3 أيام مضت قامت بمراقبة 200 متسول و من ثم قبضت عليهم في أماكن إقامتهم و هناك عثروا على ( عدة الشغل ) من أطراف صناعية وأطراف مزيفة و ثياب رثة و تقارير طبية و علب أدوية لإستعطاف الناس و كان أغلب هؤلاء المتسولون من الأطفال و النساء و من جنسيات مختلفة و برغم أن خبر كهذا من المفروض أن يُخيف الآخرين إلا أن ذلك لم يكن صحيحاً فالمتسولين و المتسولات منتشرين كالنار في الهشيم مستغلين أن الأصل في الناس بهذا الوطن طيبين بالفطرة و لن يبخلوا في مد أيديهم لهم حتى لو علموا أنهم لا يستحقون ما يتم دفعه لهم !

في فترة الثمانينات كان هناك مجموعة من أقاربي ( العزاب ) يقطنون في بيت متواضع في الرياض ( بعضهم للدراسة و الآخرين للعمل ) و في أحدى الظهريات و قبيل صلاة العصر طُرق باب البيت فقام أحدهم بفتح الباب فوجد ( طراراً ) يقول له : من مال الله فرد عليه : و الله أحنا طلاب و لا عندنا فلوس إلا اللي يالله يكفينا فرد عليه الفقير : طيب عطوني بقايا غداكم فرد عليه : اليوم غدانا ما بقى منه شي فقال له : طيب أنتو حساوية عطوني من تمركم فرد عليه ( أبو عبدالمحسن ) : والله ما بعد جبنا تمر هالسنة فقال له ( الطرار ) : ورا ما تلبسون ثيابكم و تقومون تطرون معي أحسن لكم !!

هي ليست دعوة للإبتعاد عن الصدقات و إجابة السائل لكن ظاهرة التسول أصبحت متفشية بطريقة مزعجة و لفظة ( من مال الله ) الخفيفة على الأذن و إعطاء من يستحق الصدقة و رسم البسمة على وجوه المحتاجين تحولت إلى إزعاج و ربكة و مضايقة المارة و من يقفون أمام الإشارات و تقع على مكاتب مكافحة التسول في جميع المدن مسئولية كبيرة في الحد من هذه الظاهرة الغير حضارية !

قبل أسبوع فقط في إحدى الإشارات كان هناك متسولاً يمشي بعرجة شديدة و بمساعدة العصا و يتنقل بين السيارات بنظرات حزينة و عندما فتحت الإشارة و همت السيارات بالإنطلاق و كان في وسط الطريق إلا و أختفت العرجة فجأة و أصبح يمشي بخطوات سريعة بإتجاه الرصيف و من ثم إلى بداية الشارع قبل أن يبدأ الرحلة من جديد بمساعدة العصا بعد تغير السيارات و وقوفها بسبب الإشارة الحمراء مما جعلني أتعجب من تلك المعجزة التي أعادت له النشاط و الهمة !

خاتمة :
إهداء لأبن العم عبدالمحسن بسلامته
لا باس يا سيد الغنادير لا باس …… مقبول ما جا منك يا كامل الزين …… !

ما بعد الخاتمة :
نقول ( طرار و يتشرط ) و يقول أحبائنا المصريين ( أأرع و نُزهي ) !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

شفافية ووضوح القيادة

بقلم : اللواء م / سعد الخاطر الغامدي عندما تتحدث القيادة بهذه الشفافية والوضوح لتضع …