الرئيسية / المقالات / هيا إلى المدارس

هيا إلى المدارس

( هيا إلى المناهل …. هيا إلى الحياة ) كلمات كنا نسمعها في سالف العصر و الزمان لبرنامجاً تلفزيونياً تعليمياً قبل ثورة الفضائيات و كنت أتابعه بشغف لأنه كان يقدم المعلومه بطريقه جاذبة و بسيطة و كان يثري عقولنا الصغيرة بمعلومات خارج إطار مناهج الدراسة !

تبدأ عجلة الدراسة إلى الدوران مرة أخرى بعد إنقضاء إجازة نهاية العام و تبدأ معها رحلة جديده لتلقي العلوم و النهل من بحارها و ينتقل كل طالب و طالبه إلى مرحله جديده في التحصيل العلمي بإختلاف موقعه الدراسي قبل الجامعي و من ثم الجامعي أو ما بعد ذلك و كل مرحله تتطلب جداً و إجتهاداً مختلفاً ليصل كل دارس إلى ما يصبو إليه !

في الأسبوع الأول من الدراسة تعاني الأمهات الأمرين لتخطي مصاعبه فهناك معضلة إستعادة الأبناء لساعتهم البيولوجية و تعديل و تنظيم أوقات النوم و قد تجد الأم نفسها محرومة من النوم بسبب إختلاف ساعات النوم لكل الأبناء فما إن تتمكن من ( إجبار ) أحد الأبناء على النوم ( مرغماً ) الإ و تجد أن الآخر قد إستيقظ و فاق و معه طلباته التي لا تنتهي و قد لا تستطيع الأم من النوم الا ساعات قليله أثناء النهار عندما يكون الأبناء في مدارسهم و تزداد مشكلة الأم عندما تكون موظفة و تضطر أن تذهب إلى عملها برأساً يأكله الصداع و عينان ذابلة !

في الأسبوع القادم تبدأ الزيارات المتكررة للمكتبات و تلبية طلب المدارس التي لا تكاد تنتهي و بعض الطلبات يمكن إدراجها تحت مسمى التعجيزية أو التي يستحيل إيجادها زي ( بيض الصعو ) تسمع فيه و لا تشوفه و تشهد المكتبات إزدحاماً منقطع النظير و يستلزم لتلبية طلبات المدارس زيارة ثلاث مكتبات على الأقل إذ يستحيل أن تجد كل الطلبات في نفس المكان و إن كانت تلك الزيارة تعتبر متعة للأطفال و لكنها متعبة للوالدين و نصيحتي لكل الآباء فمهما كانت تلك المكتبات و زحمتها مزعجه فالأفضل محاولة الإستمتاع مع الأبناء و مشاركتهم إختياراتهم بإبتسامه من القلب و عدم إبداء أي إمتعاض أو غضب و سواء ( رضيت أو إنرضيت ) فلا بد من تلك الزيارات فحاول إستغلالها لكسب رضا أبنائك و بناتك بدلاً من التنكيد عليهم لأن معظم الأبناء و البنات و بإيعاز من أمهاتهم سيقومون بتقبيل يدك و رأسك شكراً لك و إمتناناً لوجودك معهم و لحظتها ستشعر بالندم لأنك لم تشاركهم قلباً و قالباً و يجب أيضاً أن تكون على أهبة الإستعداد لزيارة مكتبه آخرى لتكملة باقي الطلبات و عدم التأفف لأنك في النهاية ( ستضرب ) المشوار !

يبقى الأسبوع الأول من الدراسة الأطول و الأكثر شحناً و عصبية و يتطلب من الأبوين جهداً مضاعفاً لأن الحالة النفسية للأبناء و البنات تكون غير مستقره فيكتسيها التعب الجسدي لقلة النوم و الخوف من صعوبة المناهج و تغيير المعلمين و عدم إستيعابهم لتغيير جدول الدراسة و ربما المرحلة الجديدة أو حتى المدرسة الجديدة و تكون تلك التغيرات أكثر وضوحاً و تأثيراً لدى البنات عن الأولاد و يقع على عاتق الأم تحديداً عبء كبير لتخطي هذا الأسبوع و تقلباته الكثيرة و غالباً تزول معظم تلك التقلبات في الأسبوع الثاني أو الثالث لتعود بعدها السنة الدراسية إلى روتينها المعتاد و ينشغل الطلاب و الطالبات بالدراسة و الإختبارات الأسبوعية و الشهرية و تهدأ عاصفة الإنطلاق و تبحر سفينة التعليم في هدوء بإستثناء منغصات بين حينٍ و آخر !

ذكريات الدراسة كثيرة و متعددة و بما أننا كنا نبدأ الدراسة سابقاً يوم السبت فإن الجمعة الأخيرة قبل بدء كل عام دراسي تكون كئيبة و مليئه بالزهق و الطفش و عادة تمضي ليلة السبت و أنا أتقلب في الفراش حتى الفجر لأنني كنت أخشى أن أنام و يأتي السبت ( الثقيل دم ) و لا زلت أتذكر يوم السبت في أول يوم لي بكلية الطب و أثناء فترة الغداء كنت أتحلطم مع أحد أبناء العمومة و الذي كان يدرس في السنة الثانية ( د. عبدالمحسن العبدالله الملحم ) و كان رده قاتلاً ( ما بعد شفت شي باقي ظهر السبت و عصر السبت و مغرب السبت و عشا السبت و ليل السبت بعدين نومة السبت لين يجيك الأحد ) و رديت عليه ( الله يوسع صدرك كانك وسعت صدري ) و أتذكر أن ذلك الأسبوع كان الأطول في حياتي الدراسية و لولا أني تعوذت من إبليس أكثر من ألف مرة في ذلك الأسبوع و لا كنت تركت الدراسة ورجعت لأحضان والدتي العزيزة ( أطال الله عمرها ) و لذا أعتقد أن طلاب الجامعات يحتاجون لأسبوع تحضيري بعيداً عن المنهج يتعرف من خلاله الطالب على الكلية و إدارتها و كيفية الوصول لمرافقها و لمسئوليها و طريقة التواصل معهم بدلاً من أسلوب ( خذوه فغلوه ) المتبع في معظم الكليات و الجامعات و أكثر الطلاب الذين يحتاجون هذا الأسبوع التحضيري اللامنهجي هم من يأتون من مناطق بعيدة و يعتبرون أنفسهم في غربة بعيداً عن أهاليهم !

من الجمل التي كنت و لازلت لا أستلطفها عبارة ( مهرجان العودة إلى المدارس ) و التي تستخدمها كل المحلات التجارية بإختلاف نشاطاتها لإعطاء الزبائن الأحساس بأن بضائعهم جلبت خصيصاً للمدارس و قد تكون بعضها كذلك و لكن الواقع يقول أن العودة إلى المدارس ليس شيئاً مفرحاً و لا يمكن إطلاق لقب مهرجان عليه و أنا لا أقصد أن الدراسة شيئاً غير محبباً و لكن العودة للمدرسة بعد الإجازة الطويلة لابد من تصاحبها أحاسيس الضيقة و عدم السعادة !

للخروج من ( غلقة ) الدراسة حصل لي موقفاً طريفاً في مطار شيكاغو أثناء رحلة العودة للوطن فأثناء جلوسي قرب بوابة السفر و بوجود أكثر من ٥٠-٦٠ مقعداً فاضياً في الأنحاء جاء أحد الركاب و كان أمريكي الجنسية هندي الأصل و ترك جميع الكراسي الفاضية و جلس على الكرسي الملاصق لي و عندما بادرته بالسؤال ليه جلست هنا و عندك كراسي كثيره غيره غير مشغوله رد علي بلكنه هنديه خالصة ( I want to be near the gate ) طبعاً لابد لك من تحريك رقبتك في الإتجاهين لنطقها بنفس الطريقة المقنعة التي قالها لي ذلك الهندي ( المتأمرك ) و طبعاً تركت له المكان عشان ما ( أكسب فيه أثم ) !

بالتوفيق للطلاب و الطالبات في سنتهم الدراسية القادمة و فالهم الدرجات العالية دنياً و دينا و من سيجافيه النوم ليلة الأحد نردد له :
يا ساحر البسمة … أساهرك نجمة
و كل عام دراسي و أنتم بخير و ربي يبعد عنكم ضيقة ليلة الأحد الي ما زيها أحد و هيا إلى المدارس !

د. خليفة الملحم

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

شفافية ووضوح القيادة

بقلم : اللواء م / سعد الخاطر الغامدي عندما تتحدث القيادة بهذه الشفافية والوضوح لتضع …