الرئيسية / المقالات / من أجل الجنازة رضخت للخاطف !!

من أجل الجنازة رضخت للخاطف !!

لم يسبق لي زيارة المنطقة الشرقية منطقة عملي السابق منذ فترة زادت على الثلاث سنوات ومكثت فيها ردحا من الوقت، حتى أصبحت هذه الفترة الفاصلة هي الفقدان المؤقت لنسيان طباع أهلها الطيبين وتعايشهم مع بعضهم البعض رغم اختلاف معتقداتهم وتعدد مشاربهم.
وفي الوقت الذي شل الله به أذرع الانتحاريين بالأمن المكثف، وارتفعت حيطة وحذر المصلين من أولئك المفجرين في المساجد، بدأت قصة اختطافي وأنا متجه لأداء صلاة العصر في المسجد القريب من محل إقامتي حسبما أعلنها الخاطف صراحة بأنه يرغب في خطفي كما خطف أحد الجيران الأسبوع المنصرم لنصلي معه في المسجد المجاور على الأموات بعد صلاة العصر ابتغاء الأجر فهو مشترك في خدمة جوال الجنائز، سئل النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ ؟ قال : ( أدوَمُها وإن قلَّ ). رجل مشهود له بدوامه على هذه الطاعة نحسبه كذلك والله حسيبه.
ركبت معه في سيارته دون تردد واستجبت له طواعية وخُطفت بإرادتي!
وصلنا المسجد فوجدنا أهل الموتى في انتظار إقامة الصلاة أدينا تحية المسجد ثم أقيمت الصلاة فأشرت لشخص من الخلف ليتقدم ويسد الفراغ بجانبي وليته لم يفعل! اعتقدت في بادئ الأمر أنه مالكي المنهج بناء على إسبال يديه في الصلاة، رغم أن الإمام مالك لم يرد عنه فعل الإسبال وإنما توارثها الأبناء عن الآباء، وأن عموم المذاهب الأربعة يتفقون على وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة فيما أعلم، توجست منه لعدم ركوعه وسجوده أيضا وتحسسه الدائم لخصره عندها أيقنت أني هالك لا محالة وما هذا الرجل الذي أعترض طريقي لأتشارك معه في الثواب سوى ناقلني لحتفي، نطقت الشهادة فوجدتها سهلة وكررتها لأتأكد من نطقها الصحيح كوني أسأل الله حسن الخاتمة في سجودي ظننت بأني من السعداء الفائزين حين يسر الله لي الشهادة وثبتني عند قولها. وريثما انتظر الوقت المقدر للتفجير الذي اختلط مع قلقي المستمر انتابني شعور لم أعهده أبدا شعور التسليم شعور لم يعرفه الفاقد لمعاني السكينة والطمأنينة الروحية، شعور حجب عني المواصلة وأوقفني عند نقطة الوسط فلم أعد أعلم ما فات من الصلاة ومابقي منها، وخلال هذه المضاربات النفسية الخالصة والمشاعر الآنية انقضى الفرض ولم يحصل شيء أشحت بنظري تلقائيا لخصره باحثا عن زر التفجير عن علامة بارزة لدرجة أنني أكاد أجزم بمعرفتي لماركة ملابسه الداخلية من شدة تفحصي له بنظراتي، فتذكرت زميلي الشيعي من عملي السابق حينما كان يصلي فهو يشبهه نوعا ما فهدأت روعتي والتقطت أنفاسي وأغمضت عيني سابحا في فضاء حروفي المرتعدة. ولم أفق من ذلك إلا مع التكبيرة الأولى للصلاة على الجنائز رغم أن الإمام استغرق وقتا في شرح كيفية صلاة الجنازة لمن لا يعرفها اجتهادا منه.
قصتي باختصار: خُطفت من أجل ثواب الصلاة على الجنازة مع شخص لا أعرفه ولا يعرفني وإذ بي في نهاية المطاف يصلي على يميني شخص شيعي المعتقد في جامع يغص بالمصلين من أهل السنة والجماعة كنت أحسبه قاتل داعشي الفكر والانتماء. فلكم أن تتصوروا حقيقة شعوري في ذلك الفرض كيفما شئتم فإن الكتابة باقية هاهنا تحت التجربة؟

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

أغلى الناس

بقلم | د.سعود المصيبيح تعشق أباها عشقاً كبيراً، وتهتم به.. وتراه الرجل الأنموذج الذي تبحث …