الرئيسية / المقالات / حكايتي مع الزايدة

حكايتي مع الزايدة

إلتهاب الزائدة الدودية هي أكثر الأمراض الجراحية الطارئة شيوعاً و هي من أكثر الأسباب التي تجعل غرف العمليات في جميع المستشفيات تعمل على مدار الساعة و يحتفظ كل طبيب إختار الجراحة مهنة له بذكريات و قصص عديدة مع صعوبة تشخيصها و عمليات إستئصالها جراحياً فدائماً تتردد جملة ( لا كبير مع الزايدة ) عند الجراحين حول العالم فكم إستعصت على أكبر شنبات الجراحة و كم أدخلت من يجريها في حيرة و أضطرته إلى الإستعانة بصديق يفك له حيرته لأن في الجراحة يعتقد أن ( الأربع عيون أفضل من العينين و أربعة أكف أفضل من كفين ) !

سأسرد حكاية أحد المرضى مع الزائدة الدودية ( المصران الأعور ) بلهجة وادي النيل و سأصيغها بلسان صاحبها !

عندما أنتهت إختبارات نصف العام و كنت في السادس إبتدائي صحيت من النوم الساعة الخامسة صباحاً و كان الوقت شتاءً و عندي ألم شديد جداً في الناحية اليمنى من البطن مع إستفراغ و إسهال و أخذوني إلى المستشفى و فحصني طبيب الجراحة و قال إشتباه زايده و لا بد للدخول للملاحظة و بالفعل أدخلت إلى قسم الأطفال و بدون مرافق و في السرير المقابل لي كانت أبنة عمي منومة فيه و تم إجراء استئصال الزايده لها في الصباح و كانت زوجة عمي تتنقل بين السريرين مما سبب لي الحقد و الحسد من أبنة عمي و قالت لوالدتها و هي تئن من الألم ( أنتي مرافقه لي و لا له ) وهذه الجملة أنهت الآلام عندي و تم إخراجي بدون عملية !

بعد ٣ شهور أصبت بنفس الأعراض و أيضاً دخلت قسم جراحة الرجال( يعني أني صرت رجال اللحين ) و أيضاً كان السرير المجاور لي لقريب تم نزع الزايدة منه قبل يوم من دخولي و وقت الزيارة سمعت والده يقول ( كن ولدكم أنشط من ولدنا ) وردت والدتي عليه أنني لم أجر العمليه أنما هو إشتباه فقط و في اليوم التالي ( يوم السبت ) جاء طبيب الجراحة لمعاينتي و أخبرته بما حدث لي من قبل و بعد فحصه لي قال ( أيه ده ياواد دي مش زايده دي نأئصة ) و ترجمتها ( يا ورع هذي موب الزايده هذي الناقصة ) طبعاً الدكتور كان يقولها و هو يستخدم كفه لصفعي على خداي كنوع من المداعبة و أعتقد أنه لم يكن لديه علم أن يده ما شاء الله ( مرزبة ) وبعد ذلك التكفيخ قررت أن أعالج زائدتي بطريقتي الخاصة !

بعد خروجي من المستشفى تنامى لدي شعور أن أطباء الجراحة فاشلون وأصبحت تلك الأعراض تراودني بين الفينة و الأخرى و أنا أعالجها في البيت بطريقتي الخاصة ( أحتفظ بسر الخلطة السرية للعلاج لنفسي ) و برغم تفاوت درجة الألم إلا أن مسألة الذهاب إلى المستشفى غدت لدي تنازل عن عنادي و كبريائي !

عندما وصلت إلى سن ال ٢٦ عاودني الألم بطريقة لا تكاد تحتمل ولم أستطع الوقوف أو المشي و كان مصاحباً بفقدان الشهية و اللوعة و التقيؤ المتكرر فكان لابد من التنازل عن ذلك البرج العاجي و الذهاب إلى المستشفى ومن طريقة مشيي أعطاني الدكتور التشخيص بأنه إلتهاب حاد في الزائدة الدودية و لا بد من التدخل الجراحي فوضحت للدكتور حالتي بالتفصيل الممل و طريقة علاجي المنزلية فأخذ يفكر للحظات و قال إذاً سنبدأ بالمنظار ولن نفتح البطن و فعلاً أثبت المنظار أن زايدتي ( زي الفل ) و لكن كان هناك إختناق في غشاء الأمعاء الشحمي ( Strangulated Omentum ) و هذه الحالة نادرة جداً و تصيب الأطفال و هذا الإنخناق ناتج عن أن الغشاء يلف حول نفسه فقد كان علاجي المنزلي يساعد في أنه يلف في الإتجاه الآخر مما يلغي فرصة الإنخناق و لكن هذه المره يبدو أنه لف حول نفسة أكثر من ١٨٠ درجه فلم يكن هناك فرصة لعودته لطبيعته بدون إستئصال ذلك الجزء المتضرر ! ( طبعاً كونها حاله نادره فأنا متأكد أن الجراح قد كتب حالتي في المجلات الطبية و قدمها في المؤتمرات و نال من التصفيق و الإعجاب ما ناله فقد كانت هناك أقل من ٧٢ حاله مشابهه لحالتي مكتوبه في المجلات الطبية بكل أنحاء العالم حتى عام ٩٥ م و تميزت حالتي أنها موثقه بالفيديو ) !

إنتهت معاناتي مع الآم البطن بعد ذلك و معاناتي مع الجراحين الذين ( كسروا خاطري لوصفهم بالفاشلين ) لأني إكتشفت وبعد التمحيص و البحث أن تشخيص حالتي يعتمد على الشك و الحظ و وضوح الشكوى من المريض لأن المريض أثناء الألم لا يكون في مزاج رايق لأن يسأله أحداً أسئله سخيفه في نظره و يريد التخلص من الألم فقط
و نصيحتي لكل مريض إذا أصبت بأي شكوى تحدث مع الطبيب بسرد مفصل و لا تهمل أي شكوى تعتقد أنها لن تفيد في تشخيصك فقد تكون كلمة السر و تنهي جميع معاناتك و تحمل ( غلاسة ) الدكتور و أسئلته الكثيرة فهو مثلك يريد أن يصل لفك شفرة مرضك ( ٥٠٪ من الأمراض يتم تشخيصها من التاريخ المرضي للمريض الذي يسرده المريض بلسانه و ال ٥٠٪ الثانية تكون بالفحص و الفحوصات ) !

إنتهى سرد صاحبنا و أنتهت قصته ( عند الصباح سكتت شهرزاد عن الكلام المباح ) !

مع كل الأماني بأن يحفظكم الله بعيداً عن مبضع الجراح و أن يديم علينا الصحة و العافية و يحمي
( زوايدكم ) من كل مكروه !

خاتمة

الى كل من يقرأ المقال ولدية حكاية مع الزايدة كمريض أو كطبيب فليشاركنا بها في التعليق !

شارك الخبر |

شاهد أيضاً

سمير ودلال

بقلم : الدكتور خليفة الملحم سمير غانم اسم ارتبط بالفن و الضحك و الفكاهة فقد …